ابن أبي الحديد

37

شرح نهج البلاغة

لقيه كما يلقى الركبان من قبل ، فسأله فأخبره ، فجعل يقول : يا عبد الله ، إيه ! حدثني ! فيقول له : هزم الله العدو ، وعمر يحث معه ، ويسأله وهو راجل ، والبشير يسير على ناقته ولا يعرفه ، فلما دخل المدينة إذا الناس يسلمون عليه باسمه بأمرة المؤمنين ويهنئونه فنزل الرجل ، وقال : هلا أخبرتني يا أمير المؤمنين رحمك الله ! وجعل عمر يقول : لا عليك يا بن أخي ، لا عليك يا بن أخي ! . * * * وروى أبو العالية الشامي ، قال : قدم عمر الجابية على جمل أورق ( 1 ) ، تلوح صلعته ، ليس عليه قلنسوة ، تصل رجلاه بين شعبتي رحله بغير ركاب ، وطاؤه كساء أنبجاني ( 2 ) كثير الصوف ، وهو وطاؤه إذا ركب ، وفراشه إذا نزل ، وحقيبته نمرة محشوة ليفا هي حقيبته إذا ركب ، ووسادته إذا نزل ، وعليه قميص من كرابيس ( 3 ) قد دسم وتخرق جيبه فقال : ادعوا إلي رأس القرية . فدعوه له ، فقال : اغسلوا قميصي هذا وخيطوه وأعيروني قميصا ريثما يجف قميصي ، فأتوه بقميص كتان ، فعجب منه ، فقال : ما هذا قالوا : كتان . قال : وما الكتان ؟ فأخبروه ، فلبسه ثم غسل قميصه ، وأتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه ، فقال له رأس القرية : أنت ملك العرب ، وهذه بلاد لا يصلح بها ركوب الإبل ، فأتى ببرذون ( 4 ) ، فطرحت عليه قطيفة بغير سرج فركبه فهملج ( 5 ) تحته فقال ، للناس : احبسوا ، فحبسوه فقال : ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان قبل هذا ! قدموا لي جملي فجئ . به فنزل عن البرذون وركبه .

--> ( 1 ) الأورق من الإبل : ما في لونه بياض إلى السواد . وقالوا : هو من أطيب الإبل لحما ، لا سيرا وعملا . ( 2 ) أنبجاني ، منسوب إلى منبج ، على غير قياس . ( 3 ) الكرابيس : جمع كرباس ، وهو الثوب الخشن ، معرب ( كرباس ) بالفارسية . ( 4 ) البرذون : ضرب من الدواب دون الخيل وأقدر من الحمر ، يقع على الذكر والأنثى . ( 5 ) هملج البرذون : مشى مشية سهلة في سرعة ، والهملجة : حسن سير الدابة .